الشيخ محمد هادي معرفة

201

تلخيص التمهيد

وممّن أجاد في هذا الباب هو الإمام أبو يعقوب السكاكي في كتابه « مفتاح العلوم » . فبعد أن تكلّم عن شأن البلاغة وعجيب أمره ، وأنّه ممّا يدرك ولا يوصف كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها ، والملاحة يبهر حسن منظرها ولا يستطاع نعتها . . . وأضاف أنّ مدرك « الإعجاز » هو الذوق ليس إلّا ، وطول خدمة علمي المعاني والبيان . . . ذكر شاهداً على ذلك متمثلًا بالآية الكريمة ، ومعرّجاً على تعداد مزاياها ومفارقاتها عن سائر الكلام ، قال : وإذ قد وقفت على البلاغة وعثرت على الفصاحة المعنوية واللفظية ، فأنا أذكر - على سبيل الأنموذج - آية أكشف لها فيها عن وجوه البلاغة والفصاحتين ، ما عسى يسترها عنك . ثم إن ساعدك الذوق أدركت منها ما قد أدرك من تحدّوا بها ، وهي قوله - علت كلمته - : « وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » . قال : والنظر في هذه الآية من أربع جهات : من جهة علم البيان ، ومن جهة علم المعاني - وهما مرجعا البلاغة - ومن جهة الفصاحة المعنوية ، ومن جهة الفصاحة اللفظية : 1 - أمّا النظر فيها من جهة « علم البيان » وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بها فنقول : إنّه - عزّ سلطانه - لمّا أراد أن يبيّن معنى « أردنا أن نردّ ما انفجر من الأرض إلى بطنها ، فارتدّ ، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع ، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض ، وأن نقضي أمر نوح - وهو إنجاز ما كنّا وعدنا من إغراق قومه - فقضي ، وأن نسوّي السفينة على الجوديّ فاستوت ، وأبقينا الظلمة غرقى » بنى الكلام على تشبيه المراد بالمأمور الذي لا يتأتّى منه - لكمال هيبته - العصيان ، وتشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكوّن المقصود ، تصويراً لاقتداره العظيم ، وأنّ السماوات والأرض وهذه الأجرام العظام تابعة لإرادته ، إيجاداً وإعداماً ، ولمشيئته فيها تغييراً وتبديلًا ، كأنّهما عقلاء مميّزون قد عرفوه حقّ معرفته ، وأحاطوا علماً بوجوب الانقياد لأمره والإذعان لحكمه ، وتحتّم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده ، وتصوّروا مزيد اقتداره ، فعظمت مهابته في نفوسهم ، وضربت